السيد محمد الحسيني الشيرازي
408
الفقه ، السلم والسلام
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * « 1 » فإن الإنسان في فطرته يعرف أنه لا يمكنه أن يتحرك بدون محرك . فإذا آمن الإنسان بالله عز وجل يكون سعيداً ويكون في سلام مع نفسه بل ومع غيره ، ولذا قال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ « 2 » ولم يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة موضوع الدنيا السعيدة لأنه ذكرها في غيرها ، حيث قال سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ « 3 » . هذا ويحتمل أن يكون المراد من : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الأعم من الدنيا والآخرة كما أشرنا إليه سابقاً . والمراد بالقول في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا هو : العمل ، قلباً ولفظاً وجوارح ، فإن القول في اللغة العربية قد يطلق على كل ذلك . وفي آية أخرى قال : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ « 4 » . ومن هذا البيان البسيط الذي ذكرناه - وقد ذكره الحكماء والفلاسفة والمتكلمون والمحدثون مفصلًا في كثير من كتبهم - تبيّن أن الإيمان بالله المتفضل على الإنسان بالوجود ، والنعم الظاهرة والباطنة ، والعقل والروح والنفس وغير ذلك ، فطري تلقائي مرتبط بالإنسان بما هو هو ، متى سلم من الانحراف والتقاليد والعصبية وما أشبه ، لوضوح أن الكون كله محتاج إلى هذا الخالق في تكوينه ودقة صنعه وتنظيمه والهيمنة عليه وتصييره إلى حيث المصلحة التي تدركها في الجملة العقول ، والناس جميعاً منقادون لهذه الفطرة ، سواء كانوا مؤمنين أم غير مؤمنين ، والمؤمن سواء كان بإيمان صحيح كإيمان المسلمين ، أم إيمان غير صحيح كإيمان البوذيين والكنفوشيوسيين
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 61 . ( 2 ) سورة الأحقاف : 13 - 14 . ( 3 ) سورة الأنفال : 24 . ( 4 ) سورة فصلت : 33 .